عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
40
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : « وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » قرأ « 1 » أبيّ : « أقرب من نفعهما » . وإثمهما ونفعهما مصدران مضافان إلى الفاعل ، لأنّ الخمر والميسر سببان فيهما ، فهما فاعلان ، ويجوز أن تكون الإضافة باعتبار أنهما محلّهما . وقوله : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ [ البقرة : 215 ] قد تقدّم الكلام عليه . وقرأ أبو عمرو « 2 » : « قل العفو » رفعا والباقون نصبا . فالرّفع على أنّ « ما » استفهامية ، و « ذا » موصولة ، فوقع جوابها مرفوعا خبرا لمبتدأ محذوف ، مناسبة بين الجواب والسّؤال والتّقدير : إنفاقكم العفو . والنّصيب على أنّهما بمنزلة واحدة ، فيكون مفعولا مقدّما ، تقديره : أيّ شيء ينفقون ؟ فوقع جوابها منصوبا بفعل مقدّر للمناسبة أيضا ، والتّقدير : أنفقوا العفو . وهذا هو الأحسن ، أعني أن يعتقد في حال الرّفع كون « ذا » موصولة ، وفي حال النّصب كونها ملغاة . وفي غير الأحسن يجوز أن يقال بكونها ملغاة مع رفع جوابها ، وموصولة مع نصبه . وقد تقدم الكلام عليها مستوفى وإنما اختصرت القول هنا ؛ لأني قد استوفيت الكلام عليها عند قوله تعالى : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [ البقرة : 26 ] . فصل اعلم أنّ هذا السّؤال ، قد تقدّم ، وأجيب بذكر المصرف ، وهنا أجيب بذكر الكميّة . قال الواحدي « 3 » رحمه اللّه : أصل العفو في اللّغة الزّيادة ، قال اللّه تعالى : خُذِ الْعَفْوَ [ الأعراف : 95 ] ، أي : الزّيادة وقال : حَتَّى عَفَوْا [ الأعراف : 95 ] . وقال القفّال « 4 » : العفو ما سهل وتيسّر ممّا فضل عن الكفاية ، وهو قول قتادة ، وعطاء ، والسّدّي « 5 » ، وكانت الصّحابة يكتسبون المال ، ويمسكون قدر النّفقة ، ويتصدّقون بالفضل . قال القرطبيّ « 6 » : فالجواب خرج على وفق السّؤال ، فإنّ السّؤال الثّاني في هذه الآية على قدر الإنفاق ، وهو في شأن عمرو بن الجموح فإنّه لما نزل : قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ [ البقرة : 215 ] قال : كم أنفق ؛ فنزل « قل العفو » . والعفو : ما سهل ، وتيسّر وفضل ، ولم يشقّ على القلب إخراجه ؛ قال الشّاعر : [ الطويل ]
--> ( 1 ) انظر : البحر المحيط 2 / 168 ، والدر المصون 1 / 537 . ( 2 ) انظر : البحر المحيط 2 / 168 ، والدر المصون 1 / 539 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 42 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 193 . ( 6 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 42 .